محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

513

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

اللّه - قد كذّب صادقا في امتناعه من السجود ؛ فضلّ كلّ الضلال مذؤوما مدحورا في مهالك الجهال . والوجه السابع : أنّ طلب المعجزة من المخبر احتكام على المخبر بما لا يندرج تحت قدرته ؛ فهو تكليف ما لا يطاق على النبيّ ، وعن هذا قالت الرسل - عليهم السلام - وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بل هو احتكام على اللّه تعالى بإظهار المعجزة على يده وفق دعواه ، وأنّ التسليم من غير طلب المعجزة احتكام على عقل المستمع بالقبول ، فأيّ الاحتكامين أولى بالاحتمال ؟ وأيّ التقليدين أحرى بالقبول ؟ والوجه الثامن : أنّ التقليد هو قبول الغير من غير حجّة ، وهو قبيح على أصل المتكلّم وقوله ذلك - تحديدا للتقليد - إلزام قبول قوله من غير حجّة ؛ فهو قبيح لكنّ قول النبيّ الذي هو على بيّنة من ربّه ليس يخلو قطّ عن حجّة ؛ فإنّه ( 224 آ ) إن ابتدأ بتوحيد المرسل أخذ الكلام من أصل الفطرة ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . فلم يقتصر على قوله « اعبدوا ربّكم » حتّى يكون تقليدا من غير حجّة ، بل قرنه بقوله : « الذي خلقكم » ، فعرّفه تعالى بخلقه ، وهو فطرة ؛ فلم يكن تقليدا ؛ وإن ابتدأ بالنبوّة وادّعى الرسالة أخذ الكلام من الفطرة أيضا ؛ فإنّهم كما احتاجوا في وجودهم وبقائهم إلى خالق رازق كذلك احتاجوا في حركاتهم الفكرية والقولية والعملية إلى مرشد مسدّد ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ . فلم يقتصر على قوله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ حتّى يكون تقليدا من غير حجّة ، بل قرنه بقوله : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ * الآية ، وعرّفه بأمره وآياته ، وهو فطرة ؛ فلم يكن تقليدا . والوجه التاسع : أنّ نفس الدعوى لو لم تكن حجّة لم يصر المدعوّ محجوجا بقوله المجرّد ، بل توقّف كونه محجوجا على ظهور معجزته ؛ ومن المسلّم أنّ من الأنبياء من لم تكن له معجزة إلّا بعد مدّة طويلة ، ومنهم من لم تكن له معجزة أصلا ؛ وبالجملة إذا لم يكن قوله المجرّد حجّة عند المتكلّم لم يكن المستجيب محجوجا ؛ فلم يجب عليه امتثال أمره ولا الإصغاء إلى قوله ، ولولا ما ذكرناه أنّ قوله ليس يخلو عن بيّنة وأن لا منازع له في دعواه ،